languageFrançais

'بابا نويل' في دقّة.. كوميديا سوداء ترصد تناقضات الواقع التونسي

لم يكن عرض "بابا نويل في تونس" للمُمثّل والمخرج محمد صابر الوسلاتي الذي احتضنته الدورة الخمسون من مهرجان دقّة الدولي، مساء أمس، عرض كوميدي يُراهن على الضحك بل كان رحلة ساخرة داخل تفاصيل الواقع التونسي، حيث امتزجت الكوميديا السوداء بالنقد الاجتماعي والسياسي وتحوّل الضحك إلى وسيلة للتفكير أكثر منه غاية للترفيه.

انطلق العرض في حدود الساعة العاشرة وأربعين دقيقة ليلاً ليأخذ الجمهور في رحلة يقودها “بابا نويل” الشخصية العالمية التي غادرت القطب الشمالي هذه المرة واختارت تونس وجهة لها قبل أن تصطدم بصورة مغايرة تماماً لما كانت تتوقعه.

بابا نويل.. أجنبي يقرأ تونس من الداخل

اختار محمد صابر الوسلاتي أن يجعل من شخصية “بابا نويل” عيناً أجنبية تراقب الواقع التونسي لا لتحتفل به بل لتكشف تناقضاته. فمنذ وصوله، يجد نفسه أمام سلسلة من المفارقات التي تعكس يوميات التونسيين فيتحول تدريجياً من زائر يحمل الهدايا إلى شاهد على أزمات مجتمع بأكمله.

ومن خلال هذا البناء الدرامي، قدّم العرض قراءة ساخرة لعدد من القضايا التي يعيش على وقعها  الشارع التونسي من بينها البطالة، أزمة النقل، ضعف البنية التحتية، تعطّل المرافق الإدارية، الرشوة وصولاً إلى ظاهرة”البراكاج” والعنف دون أن يغفل التفاعل مع ملفات إقليمية ودولية مثل حرب إيران والخليج العربي العراق، سوريا وفنزويلا في محاولة لربط المحلي بما يجري في العالم.

كوميديا سوداء… ورسائل تتجاوز الضحك

أكد محمد صابر الوسلاتي أن شخصية “بابا نويل” لم تعد مجرد شخصية احتفالية بل أصبحت رمزاً فنياً لاستقراء الواقع التونسي بعيون شخص غريب عنه، معتبرا أنّها شخصية “تضغط على الجرح” لتكشف مكامن الخلل والفساد الذي طال مختلف القطاعات ولتوجّه نقداً إلى جميع أطراف المجتمع.

وأضاف أن النص يقوم على ما وصفه بـ”الضمار الراقي” حيث تحمل المشاهد رسائل اجتماعية وسياسية مضمنة قائمة على الترميز بعيداً عن الخطاب المباشر أو الكوميديا التجارية التي تكتفي بإثارة الضحك دون مضمون أو طرح قضايا من زاوية فنية.

الذكاء الاصطناعي.. حين تخدم التكنولوجيا الفكرة

ولم يكتف العرض بالأداء المسرحي بل استعان أيضاً بتقنيات الذكاء الاصطناعي التي وُظّفت في عدد من المشاهد لتقريب الصورة وتعزيز البعد البصري للنص دون أن تطغى على الأداء أو على الرسائل التي يحملها العمل.

فجاء حضور التكنولوجيا منسجماً مع الرؤية الإخراجية ليمنح المتفرج تجربة بصرية داعمة للمعنى لا بديلاً عنه.

العائلة: السند الأوّل للفنان

صرّح  محمد صابر الوسلاتي أنّ وصوله إلى ركح دقّة لم يكن ليتحقّق لولا دعم والديه له وتضحياتهما، معتبرًا نفسه ثمرة سنوات من الحب والتعب والإيمان بموهبته.

من جهتهما، عبّر والداه عن فخرهما بما حقّقه ابنهما مستعيدين شيئاً من طفولته حين وصفاه بالطفل المشاغب لكنهما أكدا أنه كان يحمل منذ صغره روحاً مختلفة وطاقة كبير وأنهما اختارا أن يكونا دائماً سنداً له حتى يحقق حلمه.

الأمل مُتجدّد..

ورغم قتامة القضايا التي يطرحها العرض، فإنّ صابر الوسلاتي اختار ألاّ يُغادر الركح دون أن يترك نافذة مفتوحة على الأمل.

فقد شدّد على أنّ تونس ما تزال تمتلك أسباب النهوض، معتبرًا أنّ مستقبل البلاد يظل رهين "العقل المفكر والساعد العامل والشباب الذي ما يزال يحلم بوطن أفضل".

في رسالة اختتم بها عرضًا لم يكتف بتشخيص الأوجاع بل حاول أن يذكّر بأن التغيير يظل ممكناً ما دام الأمل قائما.

ليندا بالحاج